ليست المشكلة دائمًا في كلمةٍ قاسية نقولها أمام الناس، فقد تكون إشارة ساخرة، أو نظرة احتقار، أو تعليقًا نكتبه خلف شاشة، أو حديثًا عن شخص في غيابه. سورة الهمزة تلفت النظر إلى هذا النوع من السلوك الذي قد يراه صاحبه بسيطًا، بينما يراه القرآن جريمةً تستحق الوعيد.
تبدأ السورة بكلمة شديدة: ﴿وَيْلٌ﴾، وهي وعيدٌ لمن اتخذ من عيوب الناس مادةً للسخرية والانتقاص. ثم تصف هذا الإنسان بأنه ﴿هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾؛ أي كثير العيب للناس والطعن فيهم، سواء كان ذلك بالقول أو بالإشارة والفعل.
وهنا تأتي دقة القرآن: لم يقل إن المشكلة في الكلام الكثير فقط، وإنما في احتقار الآخرين.
فقد يسخر الإنسان من شكل شخص، أو فقره، أو مهنته، أو طريقة كلامه، أو مستواه الاجتماعي، وربما يفعل ذلك في صورة مزاح يضحك منه الآخرون.
وفي زماننا قد تتخذ الهمزة واللمزة صورًا جديدة: تعليقًا ساخرًا، أو صورةً معدلة، أو مقطعًا يُنشر للسخرية من صاحبه، أو رسالةً في مجموعة خاصة، أو منشورًا يجعل عيب إنسان مادةً للتسلية.
ثم تنتقل السورة إلى سبب آخر قد يغذي هذا الاستعلاء:
﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾.
فليس جمع المال في ذاته مذمومًا، وإنما المذموم أن يتحول المال إلى مصدر غرور، وأن يظن الإنسان أن كثرة ما يملك تمنحه قيمةً فوق الآخرين أو تحميه من المصير الذي ينتظره كل إنسان.
فالإنسان قد يبدأ بمقارنة نفسه بالآخرين: هذا أفقر مني، وهذا أقل نجاحًا، وهذا لا يملك ما أملك. ومع تكرار المقارنة يتحول المال من نعمة ينتفع بها إلى وسيلة يرى بها نفسه أكبر من غيره.
ولهذا جاء الرد الحاسم:
﴿كَلَّا﴾.
لن يخلده المال، ولن يمنحه حصانةً من الموت، ولن يجعل قيمته الحقيقية فيما جمعه. ثم تأتي الصورة المرعبة:
﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾.
وسميت النار الحُطَمَة؛ لأنها تحطم ما يلقى فيها.
ثم يزيد القرآن في إيقاظ القلب:
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾.
والتعبير بـ ﴿تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ شديد التأثير؛ لأن السورة بدأت بمرضٍ في الأخلاق والسلوك، ثم كشفت أن وراءه مرضًا في القلب: احتقار الناس، والاغترار بالمال، والشعور بالتفوق عليهم.
فليست القضية في لسانٍ يؤذي الآخرين، وإنما قلبٌ يرى نفسه أعلى منهم.
اسأل نفسك: لماذا أضحك عندما يُخطئ شخص؟ لماذا أشعر بالمتعة عندما أجد عيبًا في غيري؟ لماذا أحتاج إلى التقليل من شخص آخر حتى أشعر أنني أفضل منه؟ ولماذا يتحول نجاح غيري أحيانًا إلى سبب للانتقاص منه؟
والعلاج يبدأ من إدراك حقيقة يقررها القرآن بوضوح: قيمة الإنسان ليست فيما يملك، ولا في شكله، ولا في منصبه، ولا في قدرته على إضحاك الآخرين على حساب غيره.
ثم تختم السورة بصورةٍ تناسب شدة الوعيد:
﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾.
أبواب مغلقة وعذاب محيط؛ وكأن من أغلق قلبه عن الرحمة بالناس، وأطلق لسانه في أعراضهم، وأغلق نفسه داخل وهم المال والمكانة، انتهى إلى حبسٍ لا يستطيع الخروج منه.
وهكذا تأتي السورة في تسع آيات قصيرة، لكنها تهدم وهمين خطيرين: أن الإنسان يستطيع أن يرفع نفسه بتحقير غيره، وأن المال يستطيع أن يمنحه الخلود.
ومن تأمل مناسبتها لما قبلها وجد أن سورة العصر تحدثت عن الإنسان الواقع في الخسران إلا من آمن وعمل صالحًا وتواصى بالحق والصبر، فجاءت سورة الهمزة لتضرب نموذجًا عمليًا لمن اختار طريق الخسران: لسان يطعن في الناس، وقلب متكبر، ومال يُغذي الوهم بالاستعلاء.
فاحذر أن تكون السخرية عندك مجرد مزاح، أو أن يكون المال عندك مجرد نجاح. فقد يبدأ الانحراف بكلمة يضحك منها الناس، أو بنظرة احتقار لا يشعر بها أحد، ثم تكشف السورة أن وراء هذه التفاصيل الصغيرة خطرًا كبيرًا على القلب والمصير.
وقبل أن تتكلم عن عيب أحد، اسأل نفسك: هل أريد أن أصلح، أم أريد أن أستمتع بانتقاصه؟
فبين النصيحة والهمز، وبين المزاح والإهانة، قد تكون هناك كلمة واحدة فقط… لكن عند الله ليست سواء.
شاركنا في التعليقات: ماذا تعلمت من الفائدة
انضم الآن لقناة الواتساب عبر هذا الرابط
facebook
whatsApp
twitter
telegram
copy